عبد الشافى محمد عبد اللطيف
284
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الأمة الإسلامية هذا الخطأ الجسيم ، المخالف لمبادئ الإسلام التي تمنع أخذ الجزية من المسلم « 1 » وسخط المسلمون العرب - قبل غيرهم - على هؤلاء العمال الذين ارتكبوا هذا الخطأ ، ورفعوا الأمر إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز ، الذي غضب غضبا شديدا على هؤلاء العمال وأمرهم على الفور برفع الجزية عمن يسلم ، وصاح صيحته المشهورة « قبّح اللّه رأيكم ، فإن اللّه قد بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا » « 2 » . والأمثلة في هذا المجال كثيرة ، وخلاصة القول : أن معاملة المسلمين الكريمة وسماحتهم مع أبناء البلاد المفتوحة كانت من أهم عوامل جذبهم إلى الإسلام . 2 - العامل الثاني الذي كان له أثر كبير في انتشار الإسلام في البلاد المفتوحة هو إشراك أبناء البلاد في إدارة بلادهم ، فالفاتحون المسلمون لم يصنعوا صنيع الحكومات السابقة عليهم ، ويحرموا أبناء البلاد من إدارة بلادهم . فالمسلمون لم يحتفظوا إلا بعدد قليل جدّا من المناصب ، مثل الإمارة وقيادة الجيش والقضاء - وكان ذلك ضروريّا - وما عدا ذلك من الوظائف فقد كان متاحا لأبناء البلاد المفتوحة الذين بقوا على أديانهم ، ووصل عدد كبير منهم إلى أعلى المناصب الإدارية التي كانوا محرومين منها في عهود ما قبل الحكم الإسلامي ، وكانت حكومة الخلافة الإسلامية تضع ثقتها في أهل الأمانة منهم دون أية حساسية . ويكفي أن نقدم على ذلك مثلا واحدا من العصر الأموي ، حيث بقي ديوان الخراج المركزي في دمشق عاصمة الخلافة - وهو أهم دواوين الدولة - تحت رئاسة أسرة مسيحية ، وهي أسرة سرجون بن منصور الرومي ، طوال عهود الخلفاء : معاوية ابن أبي سفيان وابنه يزيد ، ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك ، وكان ديوان خراج العراق في الفترة ذاتها تحت رئاسة رجل فارسي ، هو زادان فروخ « 3 » ، ولم يكن سرجون بن منصور - وهو مسيحي - رئيسا لديوان لخراج عاصمة الخلافة فقط ، وإنما كان مستشارا سياسيّا للخليفة معاوية بن أبي سفيان « 4 » . وقد توسع الأمويون في استخدام أبناء البلاد المفتوحة في الإدارة مما أشعرهم بالأمان والاطمئنان إلى الحكم الإسلامي وجعلهم يقبلون على اعتناق الإسلام بملء
--> ( 1 ) انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ( ص 254 ) . ( 2 ) انظر فتوح مصر لابن عبد الحكم ( ص 107 ) . ( 3 ) انظر فتوح البلدان للبلاذري ( ص 368 ) . ( 4 ) انظر تاريخ خليفة بن خياط ( ص 228 ) ، والطبري ( 5 / 330 - 348 ) .